عبد الله الأنصاري الهروي
702
منازل السائرين ( شرح القاساني )
--> الواسطة هو خاصّ بالأنبياء ، لقوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى لأنّ هذا يشير إلى عدم الواسطة ؛ ويشهد بذلك أيضا قول النبىّ : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » . ويسمّى الثاني « الإلهام » وليس بصحيح ، لانّ الإلهام خاصّ بالأولياء والأوصياء ، كالوحي بالأنبياء والرسل ؛ فأمّا الذي سمّى الأوّل بالوحي الجليّ والثاني بالوحي الخفيّ ، فهو مطابق حسن ، لأنّ كثيرا من الأنبياء ما نزل إليهم جبرئيل ولا ملك آخر غيره ، وكانوا أنبياء بالوحي الخفيّ - كأنبياء بني إسرائيل وغيرهم . وأمّا العامّ ، فمشترك بين الحيوانات والجمادات والإنسان والشياطين ، بل بين جميع الموجودات لقوله تعالى في الحيوانات وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ 16 / 69 ] ولقوله تعالى في الجمادات وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ 41 / 12 ] - وإن قلت : « إنّ السماء ليس بجماد عندي » فعليك بالنقل الصحيح المتواتر في « نطق الحصى على يد رسول اللّه » . وليس من شكّ أنّ المعجزة أمر إلهىّ ، فلا يكون نطقه إلا بأمره المسمّى بالوحي الخفيّ - ولقوله تعالى في الإنسان غير النبيّ وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ 28 / 7 ] ولقوله في الشياطين وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ 6 / 112 ] ولقوله في جميع الموجودات وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ 17 / 44 ] وتسبيح الأشياء لا يكون إلّا بأمره ؛ ولقوله أيضا : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ 41 / 21 ] . وقد تقدّم هذا البحث في قسم فضيلة التوحيد ، ومع ذلك ، فمعلوم أنّ التسبيح مشتمل على الحياة والنطق والمعرفة ، وإن لم يكن نطق كلّ واحد من الموجودات مناسبا للآخر ، كما مرّ تقريره . والحقّ أنّ الوحي بمعناه الخاصّ اصطلاحيّ ، وبمعناه العامّ لغويّ ، وليس فيهما نزاع عند التحقيق . وأمّا الإلهام ، فيكون أيضا خاصّا ويكون عامّا . فالخاصّ مخصوص بالأولياء والأوصياء ، وهو يكون أيضا بواسطة وغير واسطة : فالذي يكون بالواسطة هو يكون بصوت خارج عن الشخص ، يسمعه ويفهم منه المعنى المقصود . وهذا يخصّصونه بأوّل حالة الأنبياء ، كالرؤيا وغيرها ، ويعدّونه من القسم الثاني من الوحي ، وهو جائز ، وإن كان هو بالإلهام أنسب . والإلهام الذي يكون بغير الواسطة ، يكون بقذف المعاني والحقائق في قلوب الأولياء من عالم الغيب دفعة أو تدريجا ، كشعاع الشمس مثلا بالنسبة إلى بيوت المدينة وأهلها . وأمّا الإلهام العامّ ، فيكون بسبب وغير سبب ، ويكون حقيقيّا وغير حقيقيّ ؛ فالذي يكون بالسبب ويكون حقيقيّا فهو بتسوية النفس وتحليتها وتهذيبها بالأخلاق المرضيّة والأوصاف الحميدة ، موافقا للشرع ومطابقا للإسلام ، لقوله تعالى وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها